اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
57
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
به من إيراد الفضائل والمثالب المتعلقة بالقبائل المختلفة . ويقرب بين النمطين أيضا الصيغة الموجزة المسجوعة كما يتضح من القطعة التي تبقت عن النسابة ابن لسان الحمّر والتي ترجع إلى العصر الذي نحن بصدده 126 . هذا وقد ظهرت هذه الفضائل الدنيوية مبكرا ؛ فقد حفظ لنا المسعودي أنموذجا منها يقترن باسم الخليفة عمر . وهو يبدأ بالطريقة الآتية : « ذكر ذوو الرواية أن عمر بن الخطاب حين فتح اللّه البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك من الأرض كتب إلى بعض حكماء ذلك العصر إنا أناس عرب وقد فتح اللّه علينا البلاد ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن الأمصار فصف لي 127 المدن وأهويتها ومساكنها وما يؤثره الترب والأهوية في سكانها » 128 . وقد رد عليه « الحكيم » بوصف الشام ومصر والحجاز والعراق والجبال وخراسان وفارس والجزيرة ، وتوقف عن وصف الهند والصين وأرض الروم « فلا حاجة في وصفها لك لأنها شاسعة نائية وبلدان كفرة طاغية » . ومن المؤسف أن تجد طريقها إلى هذه الوثيقة الطريفة زيادات متأخرة ، بل إنها لم تسلم أحيانا من داء الترادف والازدواج كما يتضح من وصف العراق . أما وصف مصر فيمكن أن يصلح كأنموذج في هذا الصدد 129 - - إن اعتبار هذا الوصف « للحكيم » المجهول كذبا صراحا فيه شئ من التعسف ، خاصة وأن اهتمام عمر بالمسائل الجغرافية شهدت به الرواية التاريخية غير ذي مرة ؛ وقد كلف عمر سعد بن أبي وقاص بعد واقعة القادسية ( حوالي عام 636 ) أن يصف له المواضع المجاورة لها ؛ وقد حفظ لنا هذا الوصف ياقوت 130 . وثمة وصف مشابه لهذا يبعث به عمرو بن العاص إلى عمر عقب فتحه لمصر ؛ غير أن وصف مصر هذا لم يكشف عنه إلا عند المؤرخين المتأخرين من عصر المماليك 131 . ولقد استمرت الأوصاف من طراز « الفضائل » محتفظة بمكانتها لحين ظهور الرسائل الجغرافية بالمعنى الصحيح . وأحد هذه الأوصاف مما يرجع إلى بداية القرن الثامن حفظه لنا المؤرخ الدينوري وهو يتعلق بالسويعات الأخيرة من حياة أيوب بن زيد إحدى الشخصيات التي اكتنفتها الأسطورة في ذلك العهد ؛ وقد اشتهر باسم ابن القرّية نسبة إلى جدته ؛ وكان بدويا أميا . ووقتا ما تمتع ابن القرية بثقة الحجاج ولكن لم يلبث أن انحاز إلى أعدائه ، ثم وقع في قبضة الحجاج حوالي عام 703 132 . وقبل أن يأمر الحجاج بقتله بالقسوة المعهودة فيه ، سأله : « فما تبقى من نعتك قال ابن القرّية ذهني حديد وجوابي عتيد قال كيف علمك بالأرض قال ليسألني الأمير عما أحبّ قال أخبرني عن الهند قال بحرها درّ وجبلها ياقوت وشجرها عطر قال أخبرني عن مكران قال ماؤها وشل وتمرها دقل وسهلها جبل ولصها أبطل إن كثر الجيش بها جاعوا وإن قلّوا ضاعوا قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدوّها جاهد بأسهم شديد وشرهم عتيد وخيرهم بعيد قال فاليمن قال